الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

138

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

شيئا ولكن سيجيئهم ما لا ينتظرونه ، وهو إتيان الملائكة ، إلى آخره ، فالكلام وعيد وتهديد . والقصر على الاحتمالين إضافي ، أي بالنّسبة لما ينتظر من الآيات ، والاستفهام الخبري مستعمل في التهكّم بهم على الاحتمالين ، لأنّهم لا ينتظرون آية ، فإنّهم جازمون بتكذيب الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ولكنّهم يسألون الآيات إفحاما في ظنّهم . ولا ينتظرون حسابا لأنّهم مكذّبون بالبعث والحشر . والإتيان بالنّسبة إلى الملائكة حقيقة ، والمراد بهم : ملائكة العذاب ، مثل الّذين نزلوا يوم بدر إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : 12 ] . وأمّا المسند إلى الرّب فهو مجاز ، والمراد به : إتيان عذابه العظيم ، فهو لعظم هوله جعل إتيانه مسندا إلى الآمر به أمرا جازما ليعرف مقدار عظمته ، بحسب عظيم قدرة فاعله وآمره ، فالإسناد مجازي من باب : بنى الأمير المدينة ، وهذا مجاز وارد مثله في القرآن ، كقوله تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ الحشر : 2 ] وقوله : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ [ النور : 39 ] . ويجوز أن يكون المراد بقوله : أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ إتيان أمره بحساب النّاس يوم القيامة ، كقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] ، أي لا ينتظرون إلّا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة . وعلى الاحتمالات كلّها يجوز أن يكون وقوع ذلك يوم القيامة ، ويجوز أن يكون في الدّنيا . وجملة : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها مستأنفة استئنافا بيانيا تذكيرا لهم بأنّ الانتظار والتريّث عن الإيمان وخيم العاقبة ، لأنّه مهدّد بما يمنع من التّدارك عند النّدامة ، فإمّا أن يعقبه الموت والحساب ، وإمّا أن يعقبه مجيء آية من آيات اللّه ، وهي آية عذاب خارق للعادة يختصّ بهم فيعلموا أنّه عقوبة على تكذيبهم وصدفهم ، وحين ينزّل ذلك العذاب لا تبقى فسحة لتدارك ما فات لأنّ اللّه إذا أنزل عذابه على المكذّبين لم ينفع عنده توبة ، كما قال تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس : 98 ] وقال تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [ الحجر : 8 ] - وقال - وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [ الأنعام : 8 ] .